ابن الجوزي
394
صيد الخاطر
355 - تحمل عداوة أقربائك وتواضع لهم عداوة الأقارب صعبة . وربما دامت كحرب بكر وتغلب ابني وائل ، وعبس وذبيان ابني بغيض ، والأوس والخزرج ابني قيلة . قال الجاحظ : تعدت هذه الحرب أربعين عاما « 1 » . والسبب في هذا أن كل واحد من الأقارب يكره أن يفوقه قريبه فيقع التحاسد . فينبغي لمن فضل على أقاربه أن يتواضع لهم ويرفعهم جهده ، ويرفق بهم لعله يسلم . قال رجل لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : لي أقارب أصلهم فيقطعوني . فقال : فكأنما تسفهم الملّ « 2 » ، ولن يزال معك من اللّه ظهير ما دمت على ذلك . 356 - المؤمن لا يلتفت إلى حاسده رأيت كلاب الصيد إذا مرت بكلاب المحلة نبحتها وبالغت وأسرعت خلفها ، وكأنها تراها مكرمة مجللة فتحسدها على ذلك ورأيت كلاب الصيد حينئذ لا تلتفت إليها ولا تعيرها الطرف ، ولا تعدّ نباحها شيئا ، فرأيت أن كلاب الصيد كأنها ليست من جنس تلك الكلاب ، لأن تلك غليظة البدن ، كثيفة الأعضاء ، لا أمانة لها ، وهذه لطيفة دقيقة الخلقة ، ومعها آداب قد ناسبت خلقتها اللطيفة ، وأنها تحبس الصيد على مالكها خوفا من عقابه ، أو مراعاة لشكر نعمته عليها . فرأيت أن الأدب وحسن العشرة يتبع لطافة البدن وصفاء الروح . وهكذا المؤمن العاقل لا يلتفت إلى حاسده ولا يعده شيئا ، إذ هو في واد وذاك في واد . ذاك يحسده على الدنيا ، وهذا همته الآخرة فيا بعد ما بين الواديين . 357 - الحكمة الإلهية لا تظهر دائما فعليك بالتسليم هذا فصل ملاحظته من أهم الأشياء ينبغي لمن آمن باللّه تعالى أن يسلم له في أفعاله ، ويعلم أنه حكيم ومالك ، وانه لا يغيب . فان خفيت عليه حكمة فعله نسب الجهل إلى نفسه ، وسلم للحكيم المالك . فإذا طالبه العقل بحكمة الفعل
--> ( 1 ) تلك حرب البسوس « التي بين بكر وتغلب » . وقد وقعت فيها كلها بضع معارك فقط ، وقتل فيها كلها بضع مئات . ( 2 ) أي انهم في ايذائهم أنفسهم بهذا كمن يسف الرماد .